الجاحظ
147
البخلاء
الطعام شيء طريف ولقمة كريمة ومضغة شهيّة ، فإنما ذلك للشيخ المعظَّم والصبي المدلَّل ، ولست واحدا منهما . فأنت قد تأتي الدعوات وتجيب الولائم ، وتدخل منازل وعهدك باللحم قريب ، وإخوانك أشدّ قرما « 1 » إليه منك . وأنا بعد أكره لك الموالاة « 2 » بين اللحم ، فإن اللَّه يبغض أهل البيت اللحمين . وكان عمر يقول : « إياكم وهذه المجازر ، فإن لها ضراوة كضراوة الخمر « 3 » » . وكان يقول : « مدمن اللحم كمدمن الخمر » . وقال المسيح ورأى رجلا يأكل اللحم فقال : « لحم يأكل لحما ، أفّ لهذا عملا » . وذكر هرم بن قطبة « 4 » اللحم ، فقال : « وإنه ليقتل السباع » . وقال المهلب « 5 » : « لحم وارد على غير قرم ، هذا الموت الأحمر » . وقال الأول : « أهلك الرجال الأحمران : اللحم والخمر ، وأهلك النساء الأحمران : الذهب والزعفران » . أيّ بنيّ ! عوّد نفسك الأثرة ومجاهدة الهوى والشهوة ، ولا تنهش نهش الأفاعي ولا تخضم خضم البراذين « 6 » ، ولا تدم الأكل إدامة النعاج ، ولا تلقم لقم « 7 » الجمال . قال أبو ذرّ ، لمن بدّل من أصحاب رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم : « تخضمون ونقضم والموعد للَّه » « 8 » . إنّ اللَّه قد فضّلك فجعلك إنسانا ، فلا تجعل نفسك بهيمة ولا سبعا « 9 » . واحذر سرعة الكظة « 10 »
--> « 1 » أشد قرما : اشتدت شهوته إليه . « 2 » الموالاة : المتابعة . « 3 » كضراوة الخمر : اي انها تصبح عادة ضارة كالادمان على الخمر . « 4 » هرم بن قطبه : هو هرم بن قطبة بن سنان الغزاري الصحابي . « 5 » المهلَّب بن أبي صفرة مرّ ذكره سابقا . « 6 » تخضم خضم البراذين : الخضم : الأكل بجمع الفم البراذين : ضرب من الخيول . المفرد برذون . « 7 » لقم : اكل بسرعة . « 8 » الموعد اللَّه : يعني اليوم الآخر . « 9 » السبع : أنثى الوحش : اكل السبع ولدها . من الحيوانات المفترسة . « 10 » سرعة الكظة : اكل سريعا ، ملأ بطنه حتى لا يطيق التنفس .